مخلفات هدم المباني في القاهرة والجيزة.. أزمة بيئية تهدد الشوارع وفرصة لإعادة التدوير

تحولت مخلفات هدم المباني والإنشاءات في عدد من مناطق القاهرة والجيزة من مجرد مشهد عابر إلى أزمة بيئية وحضرية متكررة، بعدما انتشرت أكوام الردم على جوانب الطرق وأسفل الكباري وفي الأراضي الفضاء، بما يسبب تلوثًا بصريًا وبيئيًا، ويعوق حركة السيارات والمشاة، فضلًا عن توفير بيئة مناسبة لانتشار الحشرات والقوارض.
ورصدت «الشروق» خلال جولة ميدانية في عدد من المناطق شكاوى المواطنين من استمرار تراكم مخلفات البناء لفترات طويلة، حيث أوضح سكان في فيصل وبولاق الدكرور أن بعض سيارات النقل تلقي مخلفات الهدم والردم ليلًا في المناطق الخالية، ثم تغادر قبل وصول الجهات المختصة.
وفي المطرية، أشار مواطنون إلى أن مخلفات الهدم تتحول بمرور الوقت إلى مقالب عشوائية للقمامة، ما يؤدي إلى انتشار الروائح الكريهة والحشرات، فضلًا عن الأتربة التي قد تؤثر على جودة الهواء وتزيد من معاناة مرضى الجهاز التنفسي.
وأكد مصدر مسؤول بوزارتي التنمية المحلية والبيئة أن المحافظات خصصت أماكن معتمدة لتجميع مخلفات البناء، مع إلزام الشركات والمقاولين بنقلها إلى تلك المواقع، موضحًا أن بعض المخالفين يلجأون إلى إلقائها في المناطق الخالية بهدف تقليل تكاليف النقل.
وأشار المصدر إلى تكثيف حملات رفع مخلفات الهدم والقمامة في القاهرة والجيزة، مع توفير معدات إضافية للمناطق ذات الكثافات العمرانية المرتفعة، داعيًا المواطنين إلى التعاون مع الأجهزة التنفيذية والإبلاغ عن السيارات التي تلقي المخلفات بصورة عشوائية.
من جانبه، قال محمود أبو بيه، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة لنظافة القاهرة، إن إلقاء مخلفات الهدم والبناء في الشوارع يمثل ظاهرة سلبية تشكل عبئًا على الهيئة، لما تسببه من أضرار للرصف وتشويه للمظهر العام وتهديد لسلامة المواطنين.
وأوضح أن محافظ القاهرة شدد على مواجهة السيارات التي تلقي مخلفات الهدم والبناء بشكل حاسم، واتخاذ الإجراءات القانونية ضد المخالفين، إلى جانب تشكيل لجان في الأحياء تضم ممثلين عن شرطة المرافق والهيئة والرصد البيئي لمتابعة الأماكن التي تشهد إلقاء المخلفات وتشديد الرقابة عليها.
وفي السياق ذاته، أكد السفير مصطفى الشربيني، رئيس معهد الاستدامة والبصمة الكربونية، أن الطفرة العمرانية التي شهدتها القاهرة والجيزة أدت إلى زيادة كميات مخلفات الهدم والإنشاءات، معتبرًا أن هذه المخلفات يمكن أن تتحول من عبء بيئي إلى مورد اقتصادي حال إدارتها وإعادة تدويرها بصورة سليمة.
وأوضح أن مخلفات الهدم لا تمثل مجرد قضية نظافة، وإنما ترتبط بالاستدامة والاقتصاد الدائري وخفض الانبعاثات الكربونية وكفاءة استخدام الموارد، مشيرًا إلى أن إلقاء الخرسانة والطوب في المدافن يؤدي إلى الحاجة لاستخراج كميات جديدة من الرمال والزلط والأحجار، بما يزيد استهلاك الطاقة والوقود والانبعاثات.
وأشار إلى أن التخلص من المخلفات في الأراضي الزراعية أو على حواف الترع والمصارف قد يؤدي إلى تدهور التربة وتعطيل حركة المياه، فضلًا عن خسارة مساحات من الأراضي الزراعية، مؤكدًا أن إعادة تدوير الخرسانة والطوب والحديد يمكن أن توفر مواد تستخدم في الطرق ومشروعات البنية التحتية.
بدوره، حذر خبير التنمية الحضارية الحسين حسان من الآثار البيئية والاقتصادية لمخلفات الهدم، موضحًا أنها قد تتسبب في انسداد شبكات تصريف مياه الأمطار وإعاقة حركة المرور وزيادة معدلات الغبار، خاصة في المناطق المزدحمة.
وأكد حمدي عرفة، أستاذ الإدارة المحلية، أن مواجهة الظاهرة تبدأ بمنع المخالفة قبل وقوعها، من خلال ربط تراخيص الهدم والبناء بخطة واضحة للتخلص من المخلفات، وإلزام المقاولين بإثبات نقلها إلى المواقع المعتمدة.
وطالب عرفة بتغليظ العقوبات على المخالفين، وتكثيف الحملات الرقابية، إلى جانب إنشاء منظومة إلكترونية لتتبع سيارات نقل مخلفات البناء، بما يضمن وصولها إلى مواقع المدافن أو إعادة التدوير المعتمدة، ويسهم في الحد من الإلقاء العشوائي للمخلفات.



